الشيخ الجواهري

241

جواهر الكلام

والتحقيق أن يقال : إنه من المعلوم أن العدد من ثلاثة إلى عشرة مميزة جمع مجرور ، وما زاد عليه مفرد منصوب كما هو مقرر في محله ، وأن التحقيق عدم الفرق بين جمع القلة والكثرة ، بل الجمع يصدق على ثلاثة فصاعدا ، وإن ما ذكره بعض أهل العربية من الفرق بينهما بأن جمع الكثرة لما زاد على العشرة بخلاف جمع القلة وهم بشهادة العرف والاستقراء كما هو المذكور في محله ، وكيف كان فالمتكلم بالجمع تارة يقصد منه مجرد مصداقه ، فيحصل الامتثال بمسماه ولا يقصد منه عدد مخصوص إذ ليس هو داخلا في ماهيته وحقيقته ، وأخرى يلاحظ مقدارا مخصوصا من العدد ، وهذا تارة يحصل التصريح به إما بجعله مميزا لذلك المقدار من العدد المراد أو بغيره وتارة يعلم المراد منه ذلك لكنه لم يعلم خصوص العدد المراد ، ولا إشكال في جميع ما تقدم ، إنما الكلام في الأخير ، فنقول حينئذ : إما أن تحصل قرينة دالة على ذلك المقدار أو لا ، ولا إشكال فيما إذا حصلت ، ومع عدم حصولها فهل مجرد قابلية التمييز لنوع خاص دون غيره قرينة على إرادة ذلك العدد منه دون الآخر أو لا ؟ الظاهر الأول . فإن قلت : إرادة العدد منه لا تقضي بتقدير العدد قبله بحيث يقع مميزا له ، بل قد يكون حينئذ يقدر بعده أو قبله ما يفيد ذلك ، مثلا إذا قال : أعط زيدا دراهم وعلمنا إرادة العدد منه فقد يكون المراد منه حينئذ دراهم تبلغ مائة أو خمسين أو نحو ذلك وإن لم يصلح لأن يكون مثل هذا اللفظ مميزا له . قلت : إن ذلك محتمل لكن يرجح الأول بما يقتضيه المقام من قلة الاضمار وجريانه مجرى الأعداد ونحو هما ، إذا عرفت ذلك فنقول هنا : أما إرادة مطلق الدلاء من غير إرادة عدد مخصوص بحيث يحصل الامتثال بأقل ما يصدق عليه فمقطوع بعدمه بالاجماع من الأصحاب ، ولذلك لم يعترض به المحقق ( رحمه الله ) على الشيخ ، فلا كلام حينئذ في إرادة العدد المخصوص ، إنما الكلام في تشخيصه ، وملاحظة كلامهم عليهم السلام في بيان المنزوحات من العشرين والثلاثين والأربعين وغير ذلك تقضي بأن لفظ الدلاء الواقع في كلامهم في هذا المقام مقصود منه